ما الفرق بين العفو والمغفرة

معلومات عامة  -  بواسطة:   اخر تحديث:  ١٤:٥٢ ، ١١ يوليو ٢٠١٨
ما الفرق بين العفو والمغفرة

العفو وصية ربانية للمسلمين

إنّ الله -سبحانه- اتّصف بالعفو والمغفرة، والصفح عن ذنوب وزلّات عباده، كما أنّه أمر المسلمين بتطبيق هذا الخلق الرّفيع فيما بينهم، فما من شكٍّ أنّه قد يحصل بعض المواقف التي يُخطئ فيها الإنسان بحقّ أخيه عن قصدٍ أو دون قصدٍ، ثمّ يهمّ بالاعتذار إليه ليسامحه، فرغّب الله -سبحانه- أن يقبل المسلم اعتذار أخيه، ويسامحه عمّا بدر منه من سوءٍ، حيث قال الله تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،[1] وقد أمر نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)،[2] وكذلك فإنّ العفو وصيّة الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- للمؤمنين، فقد قال مُوصياً أحد صحابته: (يا عقبةُ بنَ عامرٍ صِلْ من قطعَكَ، وأَعْطِ من حَرَمَكَ، واعْفُ عمَّن ظلمَكَ)،[3] والعفو من صفات المؤمنين المتقين، وأعظم مثالٍ يُحتذى به في العفو هم صحابة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، إذ كان الواحد فيهم إذا أغضبه شخصٌ أو أساء له، لا يكتفي بالعفو والمغفرة وحسب، بل كان بعضهم يطلقه حرّاً لوجه الله إذا كان عبداً، وللعفو عن الناس فوائد جليلة عظيمة، أعظمها أن تسود الألفة والمحبة بين الناس، فلا يحمل أحدهم السوء في قلبه على أحدٍ، بل إنّ العفو يقلب العدوّ صديقاً قريباً، قال الله -تعالى- في آثار العفو بين الناس: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)،[4] والعفو والصفح يعودان بالخير على صاحبها دائماً، فقد وعد الله -تعالى- من يغفر زلّات الناس في حقّه أن يغفر الله ذنبه، قال الله تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).[5][6]

تعريف العفو والمغفرة

عرّف العلماء العفو والمغفرة لغةً واصطلاحاً، وبيان ذلك على النحو الآتي:

  • معنى العفو لغةً: العفو مصدر من الفعل عَفَا، ويأتي بمعنى الصفح عن الذنوب والأخطاء، وقد يُطلق العفو لصاحب المعروف والفضل؛ فيُقال لمن معروفه كبيرٌ عظيم: عفوه وفضله، والعفو عند المقدرة يأتي بمعنى ترك العقاب عند التمكّن منه، ويُقال عفوٌ عامّ؛ إذا أسقطت العقوبة عن جميع المذنبين.[7]

  • معنى العفو اصطلاحاً: هو محو السيئات، والتجاوز عن المعاصي، وقد يأتي بمعنى ترك المؤاخذة بالذنب من قِبل الله -سبحانه- لعباده.[8]

  • معنى المغفرة لغةً: هي مصدر من الفعل غَفَرَ، وقد يأتي المصدر على وزن غفران كذلك، ومعناها: المسامحة، والستر عن الإثم والخطيئة، فإذا قيل: غفر الله له؛ كان ذلك دعاءً بالمغفرة والمسامحة عمّا ارتكب الشخص من أخطاءٍ.[9]

  • معنى المغفرة اصطلاحاً: تأتي المغفرة بمعنى ستر الذنوب، والتغاضي عنها، وقد يلحق بالمغفرة نيل الثواب من الله -تعالى- كذلك.[8]

الفرق بين العفو والمغفرة

ذهب العلماء إلى رأيين في توضيح الفرق بين العفو والمغفرة؛ فرأى بعضهم أنّ العفو أشمل من المغفرة، ورأى آخرون عكس ذلك؛ بأنّ المغفرة أشمل من العفو، وفيما يأتي بيان ذلك:[8]

  • ذهب الشيخ أبو حامد الغزالي -رحمه الله- إلى أنّ العفو أشمل من المغفرة؛ حيث قال: العفو هو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنّه أبلغ منه، فإنّ الغفران يُنبئ عن الستر، والعفو يُنبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر، وكذلك رأى الشيخ محمد منير الدمشقي -رحمه الله- أنّ العفو محوٌ للذنوب بالكليّة، حتى ينسى العبد أنّه أذنب الذنب أو أتاه، وأنّ المغفرة سترٌ للذنوب، وعدم المؤاخذة بها، بالرّغم من تذكّرها، فكان مضمون ذلك أنّ العفو أشمل من المغفرة.

  • ذهب الرازي إلى القول بأنّ العفو أن يُسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جُرمه؛ صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأنّ العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عنّي فاستره عليّ، وكذلك قال الكفوي رحمه الله؛ بأنّ الغفران يقتضي إسقاط العقاب، ونيل الثواب، ولا يستحقّه إلّا المؤمن، ولا يستعمل إلّا في الباري تعالى، والعفو يقتضي إسقاط اللوم والذمّ، ولا يقتضي نيل الثواب.
ومن منطلقٍ آخر رأى بعض العلماء أنّ الفرق بين العفو والمغفرة يكون من حيث إنّ المغفرة تأتي بمعنى إسقاط العقاب ومنح الثواب، وتكون في حقّ الله -سبحانه- تجاه عباده؛ أي أنّ الله -تعالى- وحده هو من يغفر الذنوب والزلّات، ويلحقها بالثواب، ولذلك يُقال: غفر الله لك، ولا يُقال: غفر فلانٌ لك، إلّا في نوادر الأحوال، أمّا العفو فهو بمعنى إسقاط اللوم والذّم، ولا يقتضي إلحاق ذلك بالثواب، لذلك فقد يُقال: عفا الله عنك، ويُقال: عفا فلانٌ عن فلان، ونُقل عن ابن تيمية -رحمه الله- أنّه قال: العفو متضمّنٌ لإسقاط حقّه قبلهم ومسامحتهم به، والمغفرة متضمّنةٌ لوقايتهم شرّ ذنوبهم، وإقباله عليهم، ورضاه عنهم؛ بخلاف العفو المجرّد؛ فإنّ العافي قد يعفو، ولا يُقبل على من عفا عنه، ولا يرضى عنه، فيتّضح ممّا سبق أنّ المغفرة أعمّ وأشمل من العفو؛ لما يلحق بها من عطاءٍ وثوابٍ.[8]ورد في القرآن الكريم آية تضمّنت العفو والمغفرة، ثمّ عطفت عليهما الرّحمة كذلك، حيث قال: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)،[10] وجاءت تفاسير العلماء في تبيان معنى الآية الكريمة متتعدّدةٍ؛ إذ ذهب الطبريّ إلى أنّ المؤمنين سألوا الله -تعالى- العفو من التقصير في أداء الطاعات والواجبات التي عليهم، إذ سُبق الدعاء بقول الله تعالى: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)،[10] ثمّ أعقبوا الدعاء بسؤال الغفران، بمعنى ألّا يؤاخذهم الله بزلّاتهم ولا يُحاسبهم عن تقصيرهم بما عليهم، بل يُقابل ذلك بالصفح والعفو، ثمّ جاء السؤال بالمغفرة؛ أي أن يستر الله عليهم قبيح أفعالهم، فلا يفضحهم بها، ثمّ يأتي السؤال بالرحمة تتغمّدهم وتنجيهم من عذابه.[11]

المراجع